الكاتب: mdahi
|
حرر في الأحد 11-07-2010 09:59 أ•أˆأ‡أچأ‡
ومازاد نكهتها وجدد نسغها هو جمعها في رقيم مرتب ومصدر بمقدمة توضح علاقة صاحبه بالرواية وبالنقد الروائي ، وانخراطه في زحمة الأسئلة المشروعة بحثا عن إنتاج معرفة مسعفة على بلورة هوية الثقافة ومتخيل المجتمع . وبحكم اهتمامه بالرواية كتابة ونقدا خلال سنوات عديدة ، كان من الممكن أن يصدر أكثر من مؤلف نقدي لإيداع فيها خبراته النقدية الثرة التي نهل من معينها الطلبة المتتلمذون له لإعداد أبحاثهم ورسائلهم الجامعية . لكن لأسباب ومبررات متعددة ، تأتي في مقدمتها انشغالاته بالترجمة والتأطير والصحافة ، وتحمله مسؤوليات لدعم وتقوية المجتمع المدني ، كان يؤثر أن يظل قارئا متتبعا للإصدارات المتميزة ، ويتريت فيما ينشره من نقد ، مكتفيا بجعله منطلقا لدروسه الجامعية حتى يتسنى له من خلال ردود فعل الطلبة ومشاركتهم أن يتعمق في التحليلات . ومايسترعي الانتباه في دراساته ومقالاته أنها تتغيا التواصل مع شريحة واسعة من القراء المتخصصين لحفزهم أكثر على قراءة الأعمال المنقودة ، وإمتاعهم بأسئلة النقد التي تفتح المغاليق ، وتكشف عن إمكانات تطويع الكتابة وتسخيرها لخدمة أهداف محددة ، وتصدر عن وعي إنتاج معرفة تسعف على بلورة الهوية الثقافية ، وتكشف عن تحولات النص الأدبي. وتعد مبادرة جمع الدراسات في كتاب متجانس هامة من حيث أنها تبين طريقة برادة في صهر وتذويب مناهج متعددة لإضاءة النص من زوايا وجوانب مختلفة . وبما أن برادة راهن على قراء متعددين ، فإنه تقصد عدم إثقال دراساته بالمصطلحات والاستشهادات ، وذلك حتى تكون اللعبة ممتعة للطرفين معا ، ومسعفة على خلق تواطؤ حقيقي بينهما كما لو كانا في حفلة تنكرية .
يتضح من خلال هذا الجدول ما يلي : 1-ركز برادة أساسا على الروايات التي ظهرت في عقدي الثمانينات والتسعينات ، لأنه خلال هذه الفترة تزايد الاهتمام بكتابة الرواية ونقدها . ووعى الروائيون والنقاد على حد سواء بتجديد الشكل ، واستيحاء تجارب حكائية متنوعة ، وبأهمية تكسير أحادية الصوت ، وبلورة الهوية الثقافية. وما يدل على حصول تطور في سيرورة الرواية هو تنويع طرائق الكتابة ، ونقض الواقعية الملتصقة بضجيج الإيديولوجيات وصخب الواقع ، والانزياح عن النموذج التقليدي لجعل العمل أكثر قدرة على استيعاب ما يحفل به الواقع العربي من ذخيرة حكائية ومحكيات شعبية ورموز وخرافات واستيهامات ، وعلى استثمار حكائية كتب التاريخ والقصص الشعبية والتوليفات الصحفية والسينمائية . وبمراهنة الروائيين إبان هذه الفترة على التحديث ، أصبحت البنيات السردية لأعمالهم معقدة ومجدولة تتطلب من القارىء مزيدا من الصبر حتى لايصاب بالطيرة . لهذا استهدف برادة في المقام الأول خلق مؤانسة وألفة بين هذه الفئة من الأعمال والقراء ، وحفزهم على الاستمتاع بأجوائها وفتق مغالقها ، واستجلاء ما تنماز به من خصوصيات وأبعاد جمالية، وتبين الجهد المبذول في الكتابة والبناء ، وإبراز أن التجريب ليس مقصودا لذاته ، بل تتحكم فيه مقاصد وأغراض لتطوير الشكل الروائي وتحريره من الرتابة والاجترار. وما يجعل نقد برادة ممتعا هو التخفيف من وطأة المفاهيم الغلقة ، والإتيان بالأمثلة والشواهد الملائمة ، والاعتماد على لغة طافحة بالنداوة ومسترسلة في شعريتها ووهجها وألقها ، والقدرة على المزاوجة بين الشكل والمضمون ، وعلى تسخير لغة واصفة تفكك بنيات النص ، وتنفذ في ثناياها بحذق لتتمكن من التقاط تعقيداته وتشابكاته ومضمراته وهواجسه التجريبية. 2- يسترسل القارىء في قراءة كل دراسة على حدة كما لو كان يسير على طريق سواء ، لاتفاجئه المنعرجات والوهدان . ومرد ذلك إلى قدرة صاحبها على إفراغها في سبيكة متلاحمة ومتراصة ، وتطويع المعرفة الأكاديمية للتحاور مع فئات عريضة من القراء المتخصصين . ولما نعاود قراءة الدراسات والمقالات المجموعة في الكتاب الذي نحن بصدد قراءته نجد تذويب وصهر مناهج متعددة في بوثقة موضوعاتية متماسكة . فما يتوخاه برادة هو جعل العدة النقدية في خدمة النص ومتحاورة معه ، وليست متعالية عليه ، أوممارسة عليه عنفا بروكستيا. وقد أملت عليه مقامات النشر وطقوسه أن يضع في الحسبان مخاطبة دائرة موسعة من القراء المتخصصين ، فحرى بتفكيك موضوعات النص والكشف عن بنيته الدالة . واعتبر هذه المرحلة من التحليل عتبة أساسية لتقريب القراء من فضاءات النص الهيباء ، وإسعافهم على اختراق مسالكها التيهاء ، وإقدارهم على الاهتداء داخل عوالمها المدجية . ونظرا لصولة وجولة برادة في النقد الروائي ، فقد تمتع بالقدرة على التوليف المنهجي ، وتشبيك منهجين فأكثر لإضاءة النص من زوايا متعددة. 3- فمن خلال المفاهيم المشغلة يتبين ارتكاز برادة على مرجعيات متباينة ( التحليل الموضوعاتي ، السرديات ، سيميائية باختين ، البنيوية التكوينية ) ، ولا يكتفي بتشغيلها على النحو الذي عرفت به ، بل يولد منها مفاهيم ذات منازل جديدة . ويتغيا من هذا الصنيع بيان أن الممارسة النقدية ليست اجترار المفاهيم والتقوقع في شرنقات نظرية ، بل هي محاورة النص لتقييمه وتأويله ، والمراهنة على إنتاج معرفة لإفادة القارىء وحفزه على قراءته بمتعة وكلف ، وربط الكتابة بمجموعة من الأسئلة التي تهم الذات والمجتمع والتاريخ ، وتثير الرغبة في مقارنة النص بنصوص أخرى للتوقف عند حدود المشابهة والاختلاف. 4- ما يجمع بين نصوص المتن هو وعي أصحابها بأهمية وملاءمة التعدد اللغوي . وهذا ما جعل برادة يعطي لهذه الظاهرة اللغوية أهمية كبيرة. فالتعدد اللغوي ليس لعبة لفظية مجردة ، بل هو تعميق وتنويع للأفق اللساني ، وتشخيص أدبي للعوالم الإيديولوجية والصراعات الاجتماعية . وركز عليها برادة لبيان إمكاناتها في توسيع المتخيل ، وتغيير الشكل وتجديده ، وتشخيص الرؤيات للعالم النتضاربة والمتصارعة ، ورصد متغيرات المتخيل الجماعي ، وإنعاش روح مبادرة فحص الواقع وإعادة تشكيله على نحو يجلي التنوع الثقافي ، ويبدد الصوت الأحادي المهيمن ، ويعيد الاعتبار إلى الأصوات المقهورة والمهمشة ، ويكشف عن هموم الذات ورغباتها المكبوتة وأوعائها الغافية . *************** * صدر هذا المؤلف عن دار الرابطة ،ط 1 ، 1996 ، 191 صفحة.
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
Powered by: Arab Portal v2.2, Copyright© 2009 |